الشنقيطي
187
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
تشربوا في آنية الذّهب والفضّة ، ولا تلبسوا الحرير والدّيباج ، فإنّها لهم في الدّنيا ولكم في الآخرة » « 1 » انتهى . فدل هذا التفصيل الذي هو النهي عن الشرب في آنية الذهب والفضة ، والنهي عن لبس الحرير والديباج - على أن ذلك هو المراد بما في الرواية الأولى . وإذن فلا حجة في الحديث على منع لبس الفضة ؛ لأنه تعين بهاتين الروايتين أن المراد الشرب في آنيتها لا لبسها ، لأن الحديث حديث واحد . فالجواب من ثلاثة أوجه : الأول - أن الرواية المتقدمة عامة بظاهرها في الشرب واللبس معا ، والروايات المقتصرة على الشرب في آنيتها دون اللبس ذاكرة بعض أفراد العام ، ساكتة عن بعضها . وقد تقرر في الأصول : « أن ذكر بعض أفراد العام بحكم العام لا يخصصه » وهو الحق كما بيناه في غير هذا الموضع . وإليه أشار في مراقي السعود بقوله عاطفا على ما لا يخصص به العموم على الصحيح : وذكر ما وافقه من مفرد * ومذهب الراوي على المعتمد الوجه الثاني - أن التفصيل المذكور لو كان هو مراد النبيّ صلى اللّه عليه وسلم لكان الذهب لا يحرم لبسه ، وإنما يحرم الشرب في آنيته فقط ، كما زعم مدعي ذلك التفصيل في الفضة ؛ لأن الروايات التي فيها التفصيل المذكور « لا تشربوا في آنية الذهب والفضة » فظاهرها عدم الفرق بين الذهب والفضة . ولبس الذهب حرام إجماعا على الرجال . الوجه الثالث - وهو أقواها ، ولا ينبغي لمن فهمه حق الفهم أن يعدل عنه لظهور وجهه ، هو : أن هذه الأربعة المذكورة في هذا الحديث ، التي هي : الذهب ، والفضة ، والحرير ، والديباج - صرح النبيّ صلى اللّه عليه وسلم أنها للكفار في الدنيا ، وللمسلمين في الآخرة . فدل ذلك على أن من استمتع بها من الدنيا لم يستمع بها في الآخرة ، وقد صرح جل وعلا في كتابه العزيز بأن أهل الجنة يتمتعون بالذهب والفضة من جهتين : إحداهما - الشراب في آنيتهما . والثانية - التحلي بهما . وبين أن أهل الجنة يتنعمون بالحرير والديباج من جهة واحدة وهي لبسها ، وحكم الاتكاء عليهما داخل في حكم لبسهما ؛ فتعين تحريم الذهب والفضة من الجهتين المذكورتين . وتحريم الحرير والديباج من الجهة الواحدة ؛ لقوله صلى اللّه عليه وسلم الثابت في الروايات الصحيحة في الأربعة المذكورة : « هي لهم في الدنيا ، ولكم في الآخرة » لأنه لو أبيح التمتع بالفضة في الدنيا والآخرة لكان ذلك معارضا لقوله صلى اللّه عليه وسلم : « هي لهم في الدنيا ، ولكم
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الأشربة حديث 5633 .